هشام جعيط
259
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
باستثناء ذلك ، يوحي لنا عصر مصعب ببعض العناصر الطوبوغرافية المهمة المتمثلة في وجود دار السقاية « 1 » التي كانت بناية عمومية للتموين بالماء ، وفي وجود موضع للحدادين « حيث تكرى الدواب » « 2 » أي غير بعيد عن الكناسة ، وينبغي تحديده بمكان يقع بين جبانة مراد والكناسة ذاتها وعلى الحدود الغربية إلى الجنوب الغربي من المركز . وهنا اسم مكان آخر هو زقاق أو شارع صغير عرف بزقاق البصريين ولعل اسمه مستمد من أن أهل البصرة أقاموا فيه إقامة دائمة ، سواء كان ذلك بعد هذا العصر أم لا ، وكان بمنتهى سكة جذيمة من أسد « 3 » . وفيه كمن أحد قادة مصعب في اللحظة الأخيرة التي تم خلالها تطويق القصر « 4 » . هذا خبر ثمين لأنه يعني أن فكرة السكة استمر تطبيقها على طرق العشائر وليس على الطرق القبلية الكبرى وحسب ، وكانت الأزقة تقطعها قطعا متعامدا أو مائلا « 5 » . وبصورة أعم ، سواء فحصنا هذه الرواية أو غيرها - رواية هجوم شبيب على الكوفة مثلا « 6 » ثم ثورة زيد بن علي « 7 » - فإن ما يبرز للنظر هو صورة الكوفة التي خطتها السكك من كل جانب ، السكك التي كانت الممرات الوحيدة بين المركز والخارج . ذكر أبو مخنف باستمرار عبارة التحكم في « أفواه » السكك في نصه « 8 » . وتدل التطورات التي مرت بها ثورة المختار على أن هذا يمثّل عائقا يحول دون الدخول إلى المدينة . وتتواجه « الأفواه » الخارجية مع « الأفواه » الداخلية التي تنفتح مباشرة على المركز وهو منطلقها « 9 » . كانت تلك حال سكة جذيمة « 10 » . لكن هل حافظت السكك على العرض نفسه على طول امتدادها ، أم أنها ضاقت بحيث أن فتحاتها في المدخل والمخرج شكلت وحدها العرض السابق ؟ ألم يمح بعضها فلم تحتفظ سوى « بأفواهها » ؟ ألم يبرز غيرها بعد تصميم سعد الأول ، ضمن تخطيط آخر ، كما وقع في سكة البريد وسكة لحام جرير ؟ « 11 » لا بد أن طريقة طمس الطرق غير متقدمة بما يكفي في عصر
--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 106 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 106 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 106 . ( 4 ) حوشب بن يزيد : الطبري ، ج 6 ، ص 106 . ( 5 ) انظر ما سبق . ( 6 ) الطبري ، ج 6 ، ص 224 - 276 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ج 7 ، ص 180 - 190 . لم يذكر شيء عن شبيب في الكامل للمبرد ، ج 3 ، ص 268 - 337 ، وقد تبسط في الحديث عن خوارج البصرة . ( 8 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 20 و 25 و 27 . . . ( 9 ) المرجع نفسه ، ص 22 : تمركز كعب بن أبي كعب بالميدان أي بالرحبة ومنع شاكر من الدخول إليه إذ استولى على « أفواه سككهم وطرقهم » من جهة المركز . ( 10 ) انظر ما سبق . ( 11 ) الطبري ، ج 6 ، ص 25 .